تاريخ النشر ٢٥/١١/٢٠١١

شؤون عربية

مصر: بين المأساة والمهزلة

يعقوب بن افرات

"التاريخ يكرر نفسه مرتين، الاولى كمأساة والثانية كمهزلة" هذا ما قاله ماركس عن فرنسا في عهد نابليون الثالث في منتصف القرن التاسع عشر، وهذا ما ينطبق على الثورة المصرية. مشهد ميدان التحرير هو نفس المشهد، الشباب هم نفس الشباب والشرطة هي نفس الشرطة، الشعار فقط تغيّر واستبدلت المطالبة برحيل الرئيس بالمطالبة برحيل المشير. انها ثورة ثانية، ربما ثورة مستمرة او استكمال للثورة الاولى، ولكنها هذه المرة لا تحظى بإجماع ولا يبدو منها مخرج واضح.

على المسرح المصري تلعب ثلاث قوى رئيسية وعدد كبير من القوى الثانوية، وكلها تسعى لترسيخ وجودها. الجيش يلعب دور الحاكم، بينما تنقسم المعارضة بين الاحزاب السياسية وفي مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين من جهة، وبين شباب الثورة ممثلون في "ائتلاف شباب الثورة و"حركة 6 ابريل" وغيرها من جهة اخرى.

الجيش والاخوان المسلمون هم جزء من النظام القديم ويمكن القول ايضا من معسكر "الثورة المضادة"؛ وبالمقابل يقف معسكر الثورة الممثل بشباب التحرير، وكل قوة لها مصلحة مغايرة:

الجيش هو امتداد لنظام مبارك، ولكن عندما أوشك هذا النظام على السقوط تخلى الجيش عن رئيسه، وتولى حكم البلاد. وكان هذا بتأييد من شباب الميدان الذين هتفوا بشعار "الجيش والشعب يد واحدة". وكان هذا الشعار انتهازيا وغير صحيح البتة، الا انه عبر عن موازين القوى في حينه وعن رغبة الثوار في منع الوقوع في حرب اهلية بين الجيش والشعب، على شاكلة ما حدث في ليبيا وسورية. ولكن التنحي السريع لمبارك كان له ثمن وهو تشبث الجيش بالحكم حماية لمصالحه وامتيازاته العديدة التي تمتع بها في النظام البائد.

الاخوان المسلمون يعتبرون أكبر القوى السياسية وأكثرها تنظيما، لذا فهم ينتظرون سقوط الحكم في ايديهم كالفاكهة الناضجة، وكل ما يحتاجونه هو اجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية، حتى لو كانت الديمقراطية تتناقض مع مبادئ الشريعة. ولانهم يريدون الانتخابات سريعا، فهم يقاطعون الاحداث الحالية، وهو ما يذكر بمقاطعتهم ثورة 25 يناير في ايامها الاولى. اذن، فالاخوان لا يشاركون في الثورة، ولكنهم اول واكثر المستفيدين منها، وهو بالتأكيد ما يثير حنق الشباب والثوار عموما.

اما الشباب، وهم صناع الثورة، فلا حزب لهم ولا برنامج، وهم اصلا لا يريدون ان يكون لهم حزب ولا يؤمنون بالعمل البرلماني، ومن هنا فلن يكون لهم ولمطالبهم تمثيل في البرلمان القادم، وبالتالي ايضا فلا مصلحة لهم في الانتخابات. ان الثورة بالنسبة لهم لم تكن بهدف ايصال الاخوان للحكم، بل لتغيير النظام باتجاه ديمقراطي عصري. ولكن الديمقراطية في نظر الشباب ليست تلك التي تدار في البرلمان بل من خلال الفيسبوك والميدان. المشكلة في هذا التوجه انه يترك الساحة البرلمانية شبه خالية للاخوان ولفلول النظام البائد، وبالتالي يهددون بأنفسهم مكاسب ثورتهم.

بعد تنحي مبارك اعتزل الشباب الميدان وعادوا للبيوت بعد ان رؤوا ان المظاهرات لا تقود الى نتيجة، وقبلوا باستلام الجيش للبلاد. ولكن بقيت هناك مجموعات واصلت التظاهر وتنظيم المظاهرات المليونية التي نادت بإسقاط حكومة احمد شفيق، وعندما استبدلت هذه بحكومة عصام شرف، استمرت الاعتصامات بحجة تطهير النظام تارة ومحاكمة الرئيس تارة اخرى ولكن ليس في نفس الحجم الذي كان في أولى أيام الثورة.

وفيما الشباب منشغلون في المظاهرات، انهمك السياسيون وعلى رأسهم الاخوان وفلول الحزب الحاكم في التفاوض على الدساتير المختلفة التي يجب ان تضبط الانتخابات والنظام السياسي المستقبلي. وادى الانقسام بين الشباب وبين الاخوان حول طبيعة الدولة العتيدة ودستورها (مدني او ديني) الى فراغ سياسي كبير استغله الجيش ليرسخ تمسكه بالحكم. ولا شك ان تأجيل الانتخابات يمدد هذه الفترة "الانتقالية" ويهدد بتحويل الحكم العسكري الى حالة ثابتة.

تفاقم الوضع عندما اعلن الجيش انه سينقل السلطة للرئيس المنتخب في غضون سنة 2013، وذلك على اساس اتفاق مع الاحزاب على عملية انتخابية غريبة من نوعها تستغرق أكثر من سنة، يتم خلالها اجراء الانتخابات على اربع مراحل لمجلس الشعب ثم من بعدها تجرى الانتخابات للرئاسة. ويعني هذا ان الشعب المصري سيكون مشغولا في حملات انتخابية مستمرة وصراعات سياسية مرافقة لها، لمدة طويلة جدا دون حسم لطبيعة النظام.

وتأتي احداث ميدان التحرير الاخيرة، اسبوعا قبل اجراء اول انتخابات حرة في مصر بمشاركة اوسع طيف سياسي، بما في ذلك المتطرفين الاسلاميين وحتى التروتسكيين اليساريين. ولكن شباب الميدان لا يقيمون وزنا للعملية الانتخابية، وذلك بسبب عدم ثقتهم العميق بالاحزاب. مئات الآلاف منهم يشتبكون مع الشرطة في شارع محمد محمود المتفرع عن الميدان ويسعون لإسقاط المشير الآن وبلا انتخابات، وتشكيل حكومة مؤقتة مع "كامل الصلاحيات" تستمد شرعيتها الوحيدة من الشباب وتكون خاضعة لمحاسبتهم.

ويطالب الشباب بان تقوم الحكومة المؤقتة بمهام الحكومة التي من المفترض ان تكون منتخبة من خلال برلمان، ومن هذه المهام تطهير النظام السابق، اقالة الضباط في الداخلية المرتبطين بعمليات القمع الاجرامية التي اودت بحياة المئات، محاكمة ازلام النظام السابق وعلى رأسهم مبارك، الى جانب اعادة بناء الاقتصاد والمجتمع على اسس سليمة. وهذه المطالب وإن كانت منطقية ومطلوبة الا انها لا يمكن ان تتحقق، وذلك لعدم وجود برامج واضحة للحكومة الانتقالية ولكونها تفتقد التفويض من الشعب الذي لم يتم استفتاؤه في الموضوع.

ولا بد من الاشارة الى ان من أشعل الفتيل في الميدان مرة اخرى، كان الاخوان المسلمون أنفسهم من حيث لا يقصدون. فقد قادهم طمعهم في الوصول الى الحكم لاستباق نتيجة الانتخابات، فتعاونوا مع الجيش في تحديد طبيعة النظام القادم قبل اجراء الانتخابات، فدعموا الاستفتاء على مبادئ الدستور التي تفضل الشريعة على حساب المدنية، وهو ما سعّر غضب الشباب عليهم. ولكن رغم فوز الاسلاميين في الاستفتاء مستخدمين اسلوب التخويف من "العلمانيين" و"الكفار"، واصلوا المتاجرة بمبادئ الدستورية وجرى الاعداد لوثيقة اضافية لعلي السلمي. ولكن الجيش لجأ الى ادخال بعض البنود على هذه الوثيقة تضمن له صلاحيات استثنائية مثل الحفاظ على سرية ميزانيته واشتراط تشكيل لجنة دستور بموافقة ثلثي اعضاء البرلمان، وهو ما أغضب الاخوان المرشحين للفوز بالسلطة.

وكان رد فعل الاسلاميين سريعا، فنادوا لمظاهرة مليونية يوم الجمعة 18 نوفمبر، ليظهروا عضلاتهم ويفهموا الجيش والشعب من الحاكم الحقيقي للبلاد، وقد غطوا الميدان باللون الاخضر والشعارات الدينية والطائفية، وبختام المهرجان المهيب عادوا الى البيت ليجهزوا نفسه للانتخابات ولاحتلال البرلمان دون منافس.

بيد ان خروج الاسلاميين للميدان، كسر الحجر على المظاهرات في الميدان، وكان الاسلاميون أنفسهم حتى ذلك الحين يصوّرون كل محاولة للتظاهر بانها سعي لإحداث الوقيعة بين الشعب والجيش. ولكن كل جمعة يليها سبت، وبالفعل فقد قرر عدة مئات من المحتجين وذوي الشهداء الاعتصام هم ايضا في الميدان في السبت التالي، دون خوف من اتهامهم ب"إحداث الوقيعة بين الشعب والجيش". ولكن رجال الجيش والشرطة وجدوها فرصة لإثبات من هم اصحاب الميدان بالفعل، فقمعوا المتظاهرين بقوة مفرطة وقتلوا العشرات منهم. ومن هناك كانت الطريق الى عودة الشباب للميدان قصيرة جدا، فهم منذ مدة يشعرون بان الثورة سُرقت منهم، وان النظام لم يتغير وان الانتخابات هي فقط وسيلة لصالح الاخوان من اجل الوصول الى السلطة.

المحصلة لكل هذا التطور هي ان كل طرف من الاطراف فقد مصداقيته، الجيش انكشف كعنصر يخدم النظام القديم ويريد ان يستمر في الحكم، الاخوان اظهروا انتهازيتهم، فدعمهم او معارضتهم للجيش ومشاركتهم او مقاطعتهم للميدان تأتي فقط خدمة لمصالحهم الضيقة. اما الشباب فهم لا يريدون انتخابات ولا يسعون لتأسيس احزاب بديلة، بل يريدون ادارة الامور من خلال الميدان والنتيجة الحتمية هي الفوضى العارمة التي تضر في بمصلحة مصر وشعبها. وقد بلغت الامور بهم الى رفض الصفقة التي ابرمت بين الجيش وبين القوى السياسية، والتي تم فيها قبول استقالة الحكومة والالتزام بتسليم السلطة في صيف 2012 بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والإفراج عن كافة المعتقلين، وذلك بحجة ان طنطاوي لم يعتذر عن قتل المتظاهرين.

ان شباب التحرير يرتكبون خطأ سياسيا فادحا، وذلك بعدم ادراكهم ان ما حققوه في 25 يناير كان ثورة بكل معنى الكلمة، وان النظام السابق قد ولى رغم وجود بقايا له. نعم، الجيش نفس الجيش، والداخلية نفس الداخلية والإعلام نفس الاعلام، ولكنهم مع ذلك انتزعوا وأنجزوا مكاسب جمة وعلى رأسها الانتخابات الديمقراطية وتأسيس نظام دستوري جديد.

ان الخوف من الاخوان المسلمين قد يلقي بالشباب والأحزاب الثورية الى ايدي الجيش. صحيح ان الاختيار بين الاخوان والجيش صعب، ولكن الإبقاء على الجيش يعني مؤكدا استمرار النظام السابق وانتصار الثورة المضادة، اما فوز الاخوان في الانتخابات فهو انتصار للثورة، ليس لان الاخوان ثوريون فهم ليسوا كذلك، بل لان مرجعية الانتخابات هي الثورة والإجماع على مبادئها وشعاراتها التي طالبت بنظام ديمقراطي مدني مؤسس على العدالة الاجتماعية.

قد يكون سبب التعاطف الشعبي مع الشباب هو استياء الشعب من كل الاحزاب، بما فيها الاخوان المسلمون الذين تهمهم الشريعة اكثر من "العيش"، فالشعب انتفض من اجل العدالة الاجتماعية ولكن لا احد يهتم بوضعه الفقير البائس. ومع ذلك، فالطريقة الوحيدة لقطع الطريق امام "الثورة المضادة" والجيش تكون باجراء انتخابات حرة ديمقراطية وشفافة، وفي حالة فوز الاخوان المسلمين سيضطرون للاستجابة لمطالب الشعب وعلى رأسها الطبقة العاملة. اما اذا لم يستجيبوا للثورة فسيتحول الاخوان الى عنوان يوجه له الشعب مطالبه، مظاهراته واحتجاجاته. ان الثورة مستمرة ولا بد لها ان تمر بمرحلة الاخوان، وعلى الشباب الثوار ان يثقوا بالشعب وبالطبقة العاملة، بانه قادر على ان يكتشف بنفسه من هم الإخوان ومن يخدمون، وقادر ايضا على الاطاحة بهم وتبديلهم.

ان البديل هو الفوضى والصراع الداخلي وعدم الاستقرار، وهذا قد يؤدي في نهاية المطاف الى تراجع الشعب عن الثورة والبحث عن "ذراع قوي" لإعادة الاستقرار الى البلاد. من مصلحة الثورة انشاء نظام جديد ودستور جديد وإجراء انتخابات لترسيخ مرجعية دستورية جديدة اعتمادا على الثورة، لكي يتم ضمان الحريات الاساسية واولها حرية الرأي والتنظيم. ان كل انظار العالم والعالم العربي تتجه نحو مصر الثورة، وعلى الثوار ان يتصرفوا بحكمة ومسؤولية لإنقاذ الثورة وعدم الإثقال على ثورة بدأت اول خطواتها في مسيرة الالف ميل نحو التغيير الاجتماعي الجذري.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع


www.alsabar-mag.com/ar/article__429
18.10.2017, 22:10