كلمات للبحث

فن تشكيلي, متحف حيفا


تاريخ النشر ٢٧/٠٢/٢٠٠٨

ثقافة

ما للنكبة ولفصل المديرة الفنية لمتحف حيفا؟

داني بن سمحون

الدكتورة رونا سيلاع، اقيلت من الادارة الفنية لمتحف حيفا

شهر ايار ٢٠٠٨ كان المفروض ان يشهد افتتاح معرض فريد من نوعه وجريء في متحف حيفا البلدي، بعنوان "حيفا ١٩٤٨". لاول مرة متحف رسمي يطرح قضايا مثيرة للجدل، تتعلق بروايات متضاربة بالنسبة لقيام دولة اسرائيل، منها الرواية الصهيوينة ورواية النكبة الفلسطينية والرواية البريطانية. ولكن "الفرحة" لم تكتمل. ومع ان حيفا المدينة المختلطة تعتبر رمز "التعايش"، الا انه تم مؤخرا التوقف عن إعداد المعرض، كما تم وقف عمل المديرة الفنية للمتحف، الدكتورة رونا سيلاع بحجة انها "غير ملائمة للوظيفة وللمتحف"، على حد تعبير مدير عام المتحف، نسيم طال.

مواقف الدكتورة سيلاع معروفة، فهي باحثة ومؤرخة في مجال فن التصوير المحلي، ونشرت في الماضي كتابا حول فن التصوير الفلسطيني في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي. كما تدرّس سيلاع في ورشات فنية حول موضوع تطور التصوير في اسرائيل منذ قيام الدولة، وهي تركز فيها على الاعتبارات التي تؤثر على المواضيع التي يتم اختيار تصويرها وتلك التي يُمنع تصويرها. كما تتعاطى الباحثة مع التصوير المجنّد او الرسمي، وقوته الكبيرة في تشكيل الواقع الاسرائيلي كما نعرفه اليوم، وتأثير الصور على الحياة الاجتماعية، على الجيش وطرق القتال، وعلى العمليات التاريخية التي مر بها المجتمع الاسرائيلي.

رونا سيلاع، "واقع متخيل" معرض صور تاريخية لحياة العرب اليومية اواخر القرن ال19

عُيّنت سيلاع في منصب مشرفة فنية لمتحف مدينة حيفا في ايلول (سبتمبر) العام الماضي، بعد توجه من المدير نسيم طال اليها باقتراح الوظيفة. تقول سيلاع للصبار انها من اول يوم اوضحت للمدير اهدافها: "اخبرته ان هدفي هو إحداث عملية تغيير، من خلال معالجة امور جوهرية تخص كل المجتمع الحيفاوي بعربه ويهوده، حتى لو كانت تمس بجوانب صعبة ومؤلمة. اردت ان افتح المتحف امام الرؤية العربية ايضا، علما ان المتحف قائم في قلب حي عربي ولكنه يتجاهل الرؤية العربية تماما".

مع توظيفها قالت سيلاع ان حيفا تجسد الآلام والصراعات التي يشهدها المجتمع الاسرائيلي، من اهم هذه القضايا، موضوع التهجير الذي وقع عام ١٩٤٨ والاجلاء القصري الذي جاء بعده. صرّحت سيلاع انها ستعالج "الزيف الذي يُسمى ‘مدينة مختلطة‘".

منار زعبي، خرائط مجردة لمدينة حيفا

مع توليها المنصب اشرفت سيلاع على اربعة معارض بعنوان "تواريخ متقاطعة"، وشملت: معرضا بعنون "واقع متخيل" يتضمن صورا تاريخية من الحياة اليومية للعرب في اواخر القرن ال١٩ وبداية القرن ال٢٠، بالاضافة الى ثلاثة معارض فردية لثلاث فنانات قدمن اعمالا تنقل نظرتهن النقدية للتاريخ المحلي: الفنانة النصراوية منار زعبي قدمت اعمالا تستخدم فيها آلاف الدبابيس السوداء لتصنع خرائط مجردة لمناطق مختلفة من مدينة حيفا. يتطرق العمل الى احتلال حيفا وللتغييرات المدنية والديمغرافية التي حلت بها منذ اندلاع الصراع القومي. من خلال استخدام ادوات نسائية في الاعمال تنتقد الفنانة مطالبة النساء في مواقع الصراع القومي بتأجيل قضاياهن كنساء لصالح القضايا الوطنية.

"المنجل". عمل للفنانة افرات نتان

الفنانة افرات نتان عرضت صيغتها الخاصة لتمثال المنجل الذي اشتراه متحف حيفا. التمثال الجديد يشمل 24 منجلا تقلد حركة الحصّاد. الفنانة يعيل برتا عرضت مقطع فيديو "مخيم صيفي"، يصف اعادة بناء بيت هدمه الجيش الاسرائيلي.

الفصل المحتوم

وكانت سيلاع قد سئلت في لقاء لصحيفة هآرتس في تاريخ ١٨/٩/٢٠٠٧ إن لم تكن تخشى ان يؤدي طرحها لقضايا الصراع الى فصلها، اجابت: "تسلمت الوظيفة لاقوم بالامور التي اراها مهمة. حتى الآن تمت الموافقة على تنظيم معرضين عن التهجير في ١٩٤٨ وعن الاجلاء، لذا لا اعتقد انه ستكون هناك مشكلة". ولكن الفصل كان امرا محتوما.

تقول منار زعبي عن عملية الفصل: "حاولت رونا تقديم وجهة نظر مغايرة للرأي العام السائد في حيفا. ولكن يبدو ان المجتمع الاسرائيلي غير ناضج بعد. من واجب المتحف معالجة قضايا التاريخ كما يراها المواطنون اليهود والفلسطينيون على حد سواء. يجب التطرق الى البقعة العمياء التي لا يريدون رؤيتها او الحديث عنها، ولكن ليس هناك متحف رسمي في اسرائيل مستعد لتحمل هذه المسؤولية. كل المختصين الذين زاروا المعرض اثنوا على المستوى الفني للاشراف الذي ادته سيلاع، غير ان الاصغاء للرأي الآخر يشكل تهديدا على بعض الاشخاص، الذين حاولوا إخراس هذا الصوت من خلال عملية الفصل. انا اعارض الفصل بشدة، واعتقد انه خطوة سياسية".

سيلاع نفسها قالت عن عملية الفصل: "السبب الحقيقي للفصل هو ان ادارة المتحف لم تقبل مضامين المعارض التي اشرفت عليها. ظننت ان متحف حيفا يمكن ان يشكل نموذجا وامتحانا لعلاقات الدولة بالمجتمع العربي. ولكن المدير العام اعتبر المضامين والاهداف غير لائقة ولا ملائمة للمتحف، وكرر هذا الامر امامي عدة مرات".

بين الامور التي اهتمت سيلاع بابرازها في المعرض هو اللغة العربية سواء على الجدران او كتاب المعرض الذي احتوى لاول مرة على نص بالعربية. تقول سيلاع: "ان الادارة لم ترحب بالامر بل حاولت افشالي، وهذا يكشف حقيقة علاقة الدولة بمواطنيها العرب".

الفنانة درورا ديكل المشرفة على جاليري في كيبوتس كابري، قالت للصبار: "ان معرض "تواريخ متقاطعة" هو احد افضل المعارض التي نُظمت في البلاد. من المهم الاشارة الى ان المشرفة لا تتخذ موقفا واضحا ومحددا بل تثير الاسئلة وتتركها مفتوحة امام رواد المعرض".

ترى ديكل ان عناصر يمينية كانت وراء فصل سيلاع: "ليست هذه المرة الاولى التي يحدث فيها شيء من هذا القبيل في متحف حيفا. في عام ٢٠٠٢ وقعت جلبة كبيرة بعد عرض المتحف لاعمال الفنان الحيفاوي اشرف فواخري "خط رقم 13". احد نشطاء حزب الليكود في المدينة طالب بانزال الاعمال والغاء المعرض. ولكن الفنانين والمثقفين في حيفا وتل ابيب احتجوا، واضطر المدير للابقاء على المعرض. الطرح الذي قدمته سيلاع كان محاولة للقيام بنوع من العدل التاريخي مع المواطنين العرب، واعطاء مضمون حقيقي لشعار التعايش، لذا لا يجب التسليم بفصلها".

لا شك ان هناك علاقة قوية بين الغاء معرض "حيفا ١٩٤٨" الذي تحدد تدشينه في ايار القريب، وبين احتفالات ٦٠ عاما لقيام اسرائيل المخططة في نفس الشهر. تقول سيلاع ان العمل على المعرض بدأ منذ عدة اشهر، ولكن العقبات والعراقيل بدأت تتراكم اولا باول حتى تم وقف التمويل تماما.

ويذكّر هذا بالصعوبات التي واجهتها الدكتورة اريئلا ازولاي اثناء إعدادها لمعرض صور حول الاحتلال عام ١٩٦٧، وضم ٧٠٠ صورة تعكس مراحل الاحتلال على مدار اربعين عاما. لم يقبل اي متحف ان يمنح رعايته للمعرض، وفي النهاية عرضته في معهد الفنون الخاص "منشار" في تل ابيب. تقول سيلاع: "يبدو ان المؤسسة الرسمية الاسرائيلية، وليس الجمهور فقط، غير جاهزة بعد لمواجهة هذه القضايا. هناك خوف كبير من معالجتها، ولكن لا مفر من ذلك".

توجه نحو ٣٠ فنانا في مطلع شباط الجاري برسالة الى رئيس بلدية حيفا، يونا ياهف، احتجاجا على فصل سيلاع، وطالبوه بالعمل على تجديد عقد تشغيلها. جاء في الرسالة انه "من الصعب تجاهل الانطباع العام بان مواقف المديرة الفنية الواضحة في عملها المهني لعبت ضدها. المتحف البلدي تحول بفضل ادارتها الفنية الى مؤسسة فنية وتربوية من الدرجة الاولى".

الفنان شريف واكد الموقع على عريضة الاحتجاج، قال للصبّار: "اعتقد ان المعرض القادم عن النكبة هو السبب وقف تشغيل سيلاع، وليس المعرض الحالي "تواريخ متقاطعة". عندما توجهت الي سيلاع للمشاركة في النقاش حول النكبة في اطار المعرض المخطط، عندها فهمت ان ايامها في المتحف معدودة. من هنا فان فصلها لم يكن مفاجئا بالنسبة لي. وإن دل هذا العمل على شيء فانما يدل على مدى محافظة ويمينية المتاحف في هذه البلد".

الفنان الحيفاوي العريق عبد عابدي واثق بان قرار الفصل هو سياسي: "لا احد في المؤسسة الحيفاوية معني بافساح المجال للرواية العربية. انهم معنيون بمواصلة التستر على ما حدث هنا في ال٤٨. سيلاع حاولت اصلاح هذا التشويه للتاريخ ولذلك لم يتم تمديد عقد تشغيلها".

البروفيسور افنير جلعادي من جامعة حيفا، الموقع هو ايضا على عريضة الاحتجاج، توجه الى رئيس البلدية، ولكنه لم يتلق اي رد فعل. جلعادي يقترح زيارة المعرض "تواريخ متقاطعة" الذي سيغلق في نهاية شباط الجاري، وتوجيه رسائل لرئيس البلدية للمطالبة باعادة سيلاع الى عملها.

في رد مدير عام متحف حيفا، نسيم طال، على اسئلة الصبار جاء ما يلي: "ان عقد العمل مع الدكتورة سيلاع انتهى في ٣١/١٢/٢٠٠٧، وتم تشغيلها طيلة فترة العقد". في رده، انكر المدير طال اي علاقة بين عدم تجديد العقد وبين مضمون الاعمال التي تقوم بها سيلاع، كما نفى وجود اي اعتبار سياسي وراء القرار.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة