تاريخ النشر ٢٧/٠٢/٢٠٠٨

شؤون دولية

خسائر البنوك الامريكية تضرب مصداقيتها

يعقوب بن افرات

قرر الكونغرس الامريكي مؤخرا منح رزمة من الاعفاءات الضريبية للمواطنين الامريكيين. جاء هذا نزولا عند طلب الرئيس جورج بوش، الذي يسعى جاهدا لإنقاذ الاقتصاد الامريكي من الوقوع في ركود اقتصادي عميق. بموجب القرار سيحصل كل اجير على شيك من ضريبة الدخل بقيمة ٦٠٠ دولار، وذلك لتشجيعه على الاستهلاك وإنعاش الاقتصاد. من جهة اخرى، قام البنك المركزي الامريكي بشكل طارئ بخفض نسبة الفائدة بأكثر من ١%، بهدف تشجيع الشركات على الاقتراض من اجل الاستثمار.

تعتبر هذه الخطوات ادوات تقليدية تلجأ اليها الحكومات لضبط اقتصادها. ففي اوقات الركود تسعى الحكومة لتشجيع الطلب والاستهلاك، فتخفض الضريبة والفائدة. هذا يُبقي بيد المواطن نقودا اكثر للاستهلاك، كما تشجعه الفائدة المنخفضة على استخدام بطاقة الائتمان للشراء بالتقسيط. وفي حالات الانتعاش الاقتصادي تسعى الحكومة لرفع نسبة الفائدة كيلا تؤدي زيادة الاستهلاك الى غلاء الاسعار وبالتالي الى تضخم مالي. ولكن امراض الاقتصاد الامريكي شائكة ومعقدة، لدرجة لا تنفع معها الادوات التقليدية الضريبية او المالية.

يمكن الاشارة الى مشكلتين اساسيتين، الاولى اقتصادية والثانية سياسية. في الجانب الاقتصادي، بات معروفا ان الشعب الامريكي يستهلك اكثر مما ينتج، مما يدفعه الى الاستيراد اكثر من التصدير. ويخلق هذا عجزا في الميزان التجاري ودَينا خارجيا كبيرا جدا، ومرهقا للخزينة الامريكية بسبب الفوائد المترتبة على الدين.

الى جانب الدين الخارجي هناك الدين الداخلي، وهو دين مزدوج: فمن جهة هناك دين الحكومة التي تنفق ميزانيات طائلة، تشمل تمويل احتلالها للعراق، تفوق بكثير ما تجبيه من ضرائب؛ وهناك دين الفرد، اي المواطن الامريكي الذي يستهلك بواسطة بطاقات الائتمان بمبالغ تفوق بكثير دخله الحقيقي. يذكر ان الأجور في الولايات المتحدة مجمدة ولم تشهد اي ارتفاع منذ سنوات طويلة، ولكن مع هذا زاد الاستهلاك وارتفع معه النمو الاقتصادي. كيف حدث ذلك؟ وماذا كانت نتائج هذا الخلل؟

ازمة الرهن العقاري

الفوائد المنخفضة على الائتمان وتشجيع الاستهلاك فوق القوة الشرائية الحقيقية للمواطن، فتحت المجال واسعا امام شركات الائتمان التي اقترحت على المواطن شراء كل شيء، من البيت، للسيارة، للتعليم العالي وحتى العلاج الطبي، وكل ذلك بالتقسيط المريح وبفائدة منخفضة ودون حاجة لدفع سلفة نقدية. بطاقة الائتمان تحولت الى اداة سحرية، مكّنت الاجير من اقتناء ما يحتاجه واحيانا ما لا يحتاجه. وتمتلك العائلة الامريكية عادة بطاقات ائتمان عديدة، ومع نهاية الشهر يذهب جميع دخلها لسداد الدين حتى لا يبقى معها نقود، ولكنها تواصل العيش والاستهلاك اعتمادا على بطاقات الائتمان التي بحوزتها.

لم يكن هذا سير الحياة في الولايات المتحدة دائما. في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما كانت النقابات الامريكية في اوجها، كانت الاجور مرتفعة وكان العامل يتقاضى كامل حقوقه الاجتماعية من تقاعد وتأمين صحي. وكان المواطن حينها يقتصد في النفقات ويشتري قدر دخله وعندما تكون له امكانية الدفع، ولم تكن حينها بطاقات الائتمان. بعد قضاء الحكومة على النقابات (وخاصة ادارة ريغان في الثمانينات) لصالح رؤوس الاموال، هبطت اجور العمال حتى لم تعد تكفي للحفاظ على مستوى المعيشة. وإمعانا في "عصر" العامل تماما، جاءت البنوك (مدعومة من الحكومة) باختراع جديد هو الشراء ببطاقات الائتمان مقابل فوائد طائلة جبتها من العمال.

ولم يتوقف السعي المحموم لاستغلال العمال عند البنوك وشركات الائتمان، بل تعداها الى بنوك الرهن العقاري التي عرضت قروضا رخيصة لشراء عقارات. البيت الذي يوفر للانسان سقفا يحميه وعائلته، تحول الى لعبة بيد الشركات التي تعيش من الربا والفوائد على القروض. فمن أفلح في تسديد جزء من دينه لشركة الرهن العقاري، وجد نفسه امام اغراء جديد هو رهن البيت مقابل الحصول على دين اضافي لاستهلاك الكماليات، مثل شراء سيارة جديدة، تلفزيون آخر صيحة، الاستجمام في بلد اجنبي او تمويل رسوم التعليم الجامعي للاولاد. ونظرا لسهولة الاقتراض ازدات الطلب على العقارات مما قاد لارتفاع اسعارها، وسمح الكثيرون لانفسهم برهن بيوتهم الغالية للحصول على المزيد من القروض السهلة، التي تدفقت كلما ارتفعت اسعار العقارات بعد احداث ١١/٩/٢٠٠١.

ولكن حملة تشجيع الاستهلاك هذه التي لم يكن لها منطق اقتصادي سوى تضخيم ارباح البنوك من الفوائد، وصلت مستويات غير معقولة. فقد اتسعت لتشمل حتى المواطنين الذين لم يكن بمقدورهم شراء بيت لعدم اثباتهم امكانية تسديد القرض او الفائدة عليه، إما لكونهم عاطلين عن العمل، او بسبب اجورهم المنخفضة جدا، او لانهم فقدوا في الماضي بيوتهم بسبب عدم امكانيتهم تسديد القروض للبنوك. وقد تكونت شركات خاصة لهذا الغرض عُرفت بشركات "الرهن العقاري الثانوي"، (نشطت بشكل مواز لسوق الإقراض الرئيسية التي تقرض فقط في حالة وجود كفالات وضمانات اكيدة).

وقد أقنعت شركات الرهن الثانوي الناس بالاقتراض دون فائدة، كإغراء اولي فقط، ثم تم بعد مدة معينة رفع الفائدة الى نسب عالية جدا. وقد تجاوب الناس مع الاقتراح رغم الفوائد العالية، بسبب الاعتقاد ان قيمة العقارات في ارتفاع مستمر، وما تم شراؤه اليوم بسعر معين، سترتفع قيمته غدا، وستكون دائما امكانية بيع البيت وتسديد القرض.

وقد لجأت شركات الرهن العقاري الثانوي الى بنوك الاستثمار، او ما يسمى "صناديق التحوط"، لتجنيد الاموال من اجل الوفاء بالطلب الكبير على قروض الرهن العقاري الرخيصة وعالية الخطورة. وكان الربح من المضاربة في البورصة على سندات الرهن العقاري الثانوي عاليا جدا، لأن الفائدة على القروض كانت عالية ايضا. بنوك كبيرة استثمرت في هذه السندات التي وصلت قيمتها الى مبلغ خيالي يقدر بالف مليار (تريليون) دولار. ولكن المغامرة الكبيرة انكشفت عندما عجزت الناس عن تسديد الاقساط بسبب ارتفاع نسبة الفائدة.

الازمة في اتساع

لا تزال تبعات ازمة الرهن العقاري الثانوي مستمرة. اكثر من مليوني عائلة فقدت بيتها او تكاد، الكثير من بنوك الرهن العقاري اعلن الافلاس، واهم بنوك الاستثمار في البورصة الامريكية فقدت مبالغ طائلة تصل الى اكثر من ٤٠٠ مليار دولار. كما بدأت الشرطة الفيدرالية الامريكية بعملية تحقيق واسعة النطاق، تشمل عشرات البنوك التي تداولت بهذا النوع من السندات، وتفحص شبهات حول قيام البنوك بالتلاعب في دفاتر الحسابات او تقاضي رشاوى، وهي اعمال جنائية بحتة.

ولا تنتهي المشكلة عند سندات الرهن العقاري الثانوي. بل تبين خلال الاشهر الاربعة الماضية ان الازمة تزعزع عملية التداول في البورصة برمتها. الخسائر الكبيرة طالت البنوك العالمية الكبرى والشركات المتعددة الجنسية التي استثمرت جزءا من اموالها في السندات عالية الخطورة، بما في ذلك "ميكروسوفت" الامريكية و"طيباع" الاسرائيلية.

في كل شهر ينكشف اسم جديد لسندات الدين التي سببت خسائر للمستثمرين فيها. من هذه مثلا سندات الرهن العقاري الثانوي التي تحمل اسم CDO، وهناك سندات خاسرة تحمل اسم SIV. واليوم تبين وجود نوع ثالث من السندات باسم ARS، تصدرها سلطة محلية او شركة ائتمان معينة وتبيعها بفوائد متفاوتة، كمصدر لتجنيد الاموال. هذا النوع من التداول يعتبر جديدا وهو لا يخضع لاية رقابة عليا، كما انه يتم حسب معادلات رياضية معقدة جدا وعصية على فهم سماسرة اوراق المال العاديين.

المعلومات التي تنكشف شيئا فشيئا، انما تؤكد ان حجم الازمة لا يزال مجهولا وانه اكبر بكثير مما يبدو الآن. الخسائر التي تتكبدها البنوك وشركات الاستثمار المختلفة ضربت بكل من يلجأ للبورصة لاستثمار امواله او لتجنيد المال بهدف الاستثمار. بين المتضررين الكثير من صناديق التقاعد التي تستثمر مدخرات العمال في شركات خاصة بالبورصة، شركات وسلطات محلية مختلفة تجند الاموال من البورصة، وأرباح الشركات نفسها التي تُستثمَر في الاوراق المالية. الازمة التي تعصف بالبورصة منذ فترة طويلة، نابعة بصورة جزئية ايضا من عمليات غير قانونية، تلاعب بالحسابات او مغامرات لجني الارباح السهلة. هذا الوضع بث حالة من الهلع وعدم الاستقرار في مجمل الاقتصاد الامريكي.

ان النظام الرأسمالي يمر اليوم بازمة لا علاقة لها بالانتاج الصناعي، بل بطبيعة النظام الذي تلعب فيه المضاربة دورا اساسيا في جني الارباح. الارباح ليست قائمة على اساس الاختراعات العلمية او انتاج السلع، بل على اساس "اختراع" انواع مختلفة من التداول في اوراق المال تشمل كل مرافق التجارة من عقود النفط والذرة، التأمينات، السندات الحكومية، العملات، مؤشرات البورصة وغيرها. انه نوع من المقامرة بأموال خيالية، تنتج الارباح الطائلة من ناحية ولكنها عند الخسارة تهدد استقرار الاقتصاد ككل.

في كل يوم ينكشف عمق جديد للازمة، ويبقى السؤال من سيقوم بخطوة جذرية لوضع حد لهذه الظاهرة التي تهدد الاقتصاد العالمي برمته. المنافسة على زعامة البيت الابيض، سواء من الحزب الديموقراطي او الجمهوري، تشير ان ولاء المرشحين جميعا هو لبورصة وول ستريت التي تحولت الى المحرك الاساسي للاقتصاد الرأسمالي، وفي نفس الوقت الى مصدر الازمة الحالية. ويعني هذا ان الفوضى ستستمر وهي في طريقها الى خلق كارثة اجتماعية حقيقية، ربما عندها يستفيق الامريكان من وهم الرأسمالية ويلجؤون للبحث عن بدائل سياسية واقتصادية جديدة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة