كلمات للبحث

الخدمة المدنية


العدد ٢١٤, كانون ثان ٢٠٠٨

فكر ورأي

الخدعة وراء الخدمة المدنية

اسماء اغبارية-زحالقة

بدل ان تعترف الدولة بمسؤوليتها عن فقر المجتمع العربي، وتقوم بالاجراءات اللازمة لتغيير الوضع، اختارت ان تتهم الفقراء بفقرهم والادعاء انهم لا يستحقون المساواة لانهم لا يؤدون الخدمة المدنية. في نهاية الخدمة لن يصبح الشباب "اكثر اسرائيليين"، بل سيعودون للاعمال المرهقة، إن وُجدت، دون مستقبل ودون الحد الادنى من الحقوق.

تأسيس مديرية الخدمة المدنية لدى مكتب رئيس الحكومة في آب 2007، أحيى من جديد خطة الخدمة المدنية. تعد الخطة المنضمين اليها ب"التقليل من عدم المساواة بين اولئك الذين يؤدون الخدمة المدنية واولئك الذين لا يؤدونها". بطبيعة الحال، أثارت الخطة معارضة القيادات العربية التي خشيت ان تقضي الخطة على الهوية الوطنية للشباب العرب. المفارقة ان هدف الخطة ليس دمج العرب ومنحهم المساواة، بل بالعكس. يتضح هذا اذا قرأنا الخطة في السياق الجديد الذي تظهر به، وهو اعتبارها وسيلة جديدة لمحاربة الفقر!

عمال مطاعم منظمون في معًا. العرب اختاروا العمل، ولكن الدولة اختارت التمييز ضدهم . تصوير: الصبّار

على سبيل المثال، الخطة الاقتصادية التي أقرتها الحكومة مؤخرا، والمعروفة باسم "الاجندة الاقتصادية-الاجتماعية للاعوام 2008-2010"، ترى ضرورة طارئة لمعالجة مشكلة الفقر بين المتدينين اليهود والعرب. تشير الاجندة الى ان هاتين الشريحتين هما الاكثر فقرا في المجتمع، اذ ان هناك 42 الف رجل يهودي متدين و297 الف عربي، منهم 207 آلاف امرأة، لا يعملون اطلاقا. وتقترح الاجندة موضوع الخدمة المدنية كاحد الوسائل لادماجهم في سوق العمل وتقليص نسبة الفقر بينهم.

مجرد المقارنة بين اليهود المتدينين وبين العرب مضلِّلة على نحو كبير. المتدينون اختاروا بشكل حر استثناء انفسهم من سوق العمل، للتفرغ للعبادة ودراسة التوراة، ومع هذا يتمتعون بالمساواة الكاملة لكونهم يهودا. اقتراح دمجهم في الخدمة المدنية جاء لتشجيعهم على الخروج للعمل، والتقليل من العبء الاقتصادي الهائل الذي يشكلونه على ميزانية الدولة.

اما العرب فقد اختاروا العمل، ولكن الدولة اختارت التمييز بحقهم في كل مجالات الحياة، بما فيها مجال التشغيل. المناطق الصناعية في الوسط العربي معدومة، القطاع العام مغلق في وجوه العرب، حتى امكانيات العمل في الاعمال الجسدية تتضاءل على ضوء تفضيل تشغيل العمال الاجانب الارخص وعديمي الحقوق. لا ريب اذن ان نسبة الفقر الرسمية بين العرب وصلت ال57%.

رغم ان الدولة تدرك تماما خطورة الوضع، الا انها غير مستعدة لتغيير سياستها: فمن جهة ترفض التوقف عن اعتبار العرب تهديدا وخطرا عليها، ومن جهة ثانية ترفض اتخاذ خطوات ملموسة لوقف استيراد العمال الاجانب وتغيير طريقة التشغيل من خلال المقاولين وشركات القوى البشرية، على نحو يكفل عملا محترما مع دخلا كريما لجميع العمال، بضمنهم العرب.

بدل ان تعترف الدولة بمسؤوليتها عن فقر المجتمع العربي، وتقوم بالاجراءات اللازمة لتغيير السياسة العنصرية والاقتصادية بحقهم، اختارت الحل الاسهل والارخص، وهو التلويح بالخدمة المدنية واتهام الفقراء بفقرهم، والادعاء انهم فقراء ولا يستحقون المساواة لانهم لا يؤدون الخدمة المدنية. ولكن هذه المعادلة دون رصيد، والدليل هو وضع الدروز والبدو الذين يؤدون الخدمة العسكرية وليس المدنية ومع هذا لا يحظون بالمساواة، لانهم ببساطة عرب.

الخدمة المدنية لا تأتي كجزء من خطة شاملة لتغيير وضع العرب وضمان تقدمهم نحو المساواة والحياة العصرية. العكس هو الصحيح. في نهاية الخدمة المدنية لن يصبح الشباب العرب "اكثر اسرائيليين"، بل الاحتمال الاكبر ان يعودوا الى الاعمال المرهقة، إن وُجدت، في المطاعم او التنظيف او على السقالات القاتلة، دون مستقبل ودون الحد الادنى من الحقوق.

الهدف الحكومي الاساسي من الخدمة المدنية وهو "تعزيز العلاقة والتماثل بين المواطن ودولته"، انما يطالب العربي بالاعتراف بمكانته المتدنية في دولة تزداد عنصرية وكراهية له يوما بعد يوم.

الاستطلاع الذي أجراه البروفيسور سامي سموحة من جامعة حيفا، يشير الى ان اغلبية كبيرة من الشباب العرب معنية بالخدمة المدنية. ولكن الاستطلاع ايضا يعترف ان الشباب الذين شملهم الاستطلاع، لم يعرفوا شيئا عن تفاصيل الخطة او اهدافها المتعلقة بتعزيز العلاقة بالدولة. الواقع، ان ما يهم هؤلاء الشباب هو تحسين احتمالاتهم لايجاد عمل محترم.

الشباب العربي متعطش لتعليم افضل، لعمل مضمون ومستقبل. ثلثا الاولاد العرب يعيشون تحت خط الفقر، 5% فقط من الشباب يستطيعون تمويل تعليمهم الاكاديمي. كثيرون يتسربون من المدارس في المرحلة الاعدادية ويبحثون عن عمل للمساهمة في اعالة العائلة. المصروف الذي تمنحه الخدمة المدنية لمن يشارك فيها وهو 700 شيكل شهريا، ليس حلا واقعيا بالنسبة لهؤلاء.

اذا كان هدف الحكومة التخفيف من العبء الاقتصادي الذي يشكله الفقراء العرب على ميزانيتها، فعليها ان تباشر فورا في توفير اماكن عمل ملائمة، التوقف عن استيراد العمال الاجانب، تقليص ظاهرة التشغيل من خلال المقاولين الفرعيين الذين ينتهكون حقوق العمال، والاستثمار في التأهيل المهني. هذه خطوات ضرورية لتحقيق المساواة وحل مشكلة الفقر، دونها تبقى جميع الخطط، بما فيها الخدمة المدنية، عبارة عن محاولات يائسة للتملص من تحمل المسؤولية عن المواطنين.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة