تاريخ النشر ٢٨/٠٢/٢٠١٢

شؤون محلية

أم الفحم في خطر

اساف اديب

أعمال القتل المفجعة التي نُكبت بها مدينة أم الفحم، حصدت مؤخرا حياة الشاب مثقال فتحي اغبارية وهو ابن 16 عاما. سياسة التمييز العنصري وتقاعس الشرطة عن وقف المجرمين وجمع السلاح يساهمان في تعميق الأزمة، لكن السبب الرئيسي لعمق الكارثة يعود إلى غياب القيادة في الوسط العربي وانشغالها بالشعارات الكبرى دون اهتمام حقيقي بمشاغل المواطن الحياتية.

FILE illustrations/sabar/0212/mithkal_fathi_18-2_-_pic_1.jpg IS MISSING

فُجعت أم الفحم مؤخرا بمقتل الشاب مثقال فتحي اغبارية (16 عاما)، وهي ما كادت تصحو من صدمتها بمقتل أب وولديه الاثنين قبل أربعة شهور، مما أخرج البلد عن بكرة أبيها تنديدا بالعنف. ويكمن القلق في اتساع "ثقافة" العنف كوسيلة لفض النزاعات وخروجها عن دائرة عائلات الإجرام وبلوغها العائلات الآمنة أيضا، وهو ما يجعل حل الأزمة أكثر تعقيدا من مجرد تدخل الشرطة، المتقاعسة عن دورها أصلا.

قُتل مثقال فتحي طعنًا بسكين من قبل شاب في سنّه، وكما يبدو ليس للشابين خلفية جنائية أو علاقة بالإجرام المنظم. مجرد شجار شبابي تافه يتدهور الى معركة سكاكين ويروح ضحيته شاب في مطلع حياته، كيف نفهم ذلك؟ كل من تحدثت إليه في أم الفحم في أعقاب الجريمة أوضح بأن الحالة ليست استثنائية، بل باتت روتينا عاديا ووحدها الصدفة التي تمنع انتهاء الحادثة بالقتل.

هناك ثلاثة أسباب وراء الوضع الخطير الذي تعيشه أم الفحم، وهي ليست مختلفة عن العديد من القرى والمدن العربية: الأول، سياسة التمييز العنصري الحكومية وعدم الاستثمار في البنية التحتية من مصانع، مدارس ومؤسسات رفاه ومؤسسات اجتماعية وثقافية، ما يؤدي إلى نسبة عالية من الفقر والبطالة. الثاني، تقاعس الشرطة عن جمع السلاح وإلقاء القبض على المتهمين بأعمال القتل حتى عندما يعرف الجميع هويتهم، مما يمنح المجرمين اليد الطولى للاستمرار في ترهيب الآمنين. والسبب الثالث، غياب القيادة في المجتمع العربي المتأصلة بين الجمهور والناشطة من أجل تحسين مستوى معيشته.

ماذا تغير منذ الثمانينات؟

لقد تغير المجتمع العربي عامة والمجتمع الفحماوي خاصة، بشكل عميق في الأعوام الثلاثين الأخيرة. الشعور بالأمان الذي ميّز المدينة والتكافل الاجتماعي الذي كان يلجم الصراعات والمعارك الداخلية، اختفيا كليا اليوم. هل كان ذلك نتيجة تغيير في سياسة الدولة تجاه العرب أو تغيير جوهري في تصرف الشرطة ؟ كلا. التمييز العنصري ضد العرب في كافة مجالات الحياة كان ولا يزال قائما، وهو جزء من سياسة بنيوية تتبعها كافة الحكومات الإسرائيلية.

أما الشرطة وسائر مؤسسات القمع الإسرائيلية فلا تأتي بجديد، وكانت إحدى مشاهد القمع الدموي ما حدث من قتل ستة مواطنين عرب يوم الأرض عام 1976، وطرد البدو من أراضيهم في النقب اثر اتفاق كامب ديفيد عام 1982، وضرب قنابل الغاز على المتظاهرين ضد كهانا عام 1984، وبلغت الذروة في انتفاضة أكتوبر عام 2000 عندما قتلت الشرطة 13 شابا عربيا، إضافة إلى استمرار أعمال القتل الفردي الذي تمارسه قوات الشرطة ضد الشباب العرب بلا هوادة وبدم بارد.

ما الذي تغير اذن؟ العنصر الذي تغير بشكل جوهري هو المجتمع العربي نفسه وتركيبته الاجتماعية والسياسية، هناك تكمن جذور الأزمة الحالية وهناك يكمن مفتاح الحل، لأنه من غير المنظور ان تغير اسرائيل سياستها العنصرية ولا الشرطوية تجاه العرب.

الفحماوي تيسير سلمان محاميد كتب مقالا بعنوان "مستقبل الخيمة... خيبة!"، يوضح فيه أسباب عدم مشاركته في خيمة الاعتصام التي نصبتها بلدية أم الفحم احتجاجا على العنف المتفشي في المدينة، فقال: "الخيمة يجب أن تقسم إلى قسمين أو يتم بناء خيمة أخرى بجانب البلدية، وذلك لأن الخيمة القائمة توجه أصابع الاتهام فقط إلى الشرطة.. مع أن هذا الادعاء هو نصف الحقيقة.. والشرطة بنظري ليست نزيهة ولها حصة الأسد بما نعاني منه من تفشي ظاهرة العنف وانتشار الجريمة، وهي لا تقوم بدورها المنشود… لكن وهنا السؤال الأهم: ماذا عن الخيمة الثانية والتي يجب تكون هذه المرة أمام مبنى بلدية أم الفحم لتقوم هي الأخرى بدورها في بناء الإنسان من خلال المؤسسات والتي تديرها على مدار ثلاثة عقود." (موقع "بقجة" 10/2).

الوعد بالجنة ينتهي بجهنم

على مدار 23 عاما تنفرد الحركة الإسلامية بقيادة بلدية أم الفحم، وذلك منذ ألحقت الهزيمة بالجبهة الديمقراطية وبمرشحها هاشم محاميد عام 1989. ولا يزال الكثير من الأهالي يذكرون الفترة التي أدار فيها محاميد البلد، وخاصة تدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع وتراكم القمامة في كل مكان وإضرابات المدرسة الثانوية. كما يتهم البعض قيادة الجبهة وهاشم تحديدا بأنها كانت نخبوية ولم تهتم بقضايا الناس العاديين.

في تلك الفترة قدمت الحركة الإسلامية نفسها كمنقذ للبلد، ووعدت الجميع بأنها ستدير المدينة بشكل مهني وأنها ستحرص على تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتتخلص من أزمة الصرف الصحي والقمامة، وأبدت استعدادها للتعاطي مع قضايا المواطنين وحلها بشكل سريع ومنصف.

الدعم الشعبي الذي حظيت به الحركة الإسلامية ضمن لها انتصارات انتخابية مرة تلو الأخرى وتبدل رئيس البلدية من الشيخ رائد صلاح الى هاشم عبد الرحمن ثم إلى الدكتور سليمان اغبارية ثم خالد حمدان. صحيح ان هؤلاء كانوا أكثر شعبيةً، إذ جعلوا باب البلدية مفتوحا للمواطن العادي وهذا مهم، ولكن كيف وصلنا الى وضع يفضل فيه بعض الأهالي ان تعم مياه المجاري شوارع البلدة على أن يسود جو الخوف والعنف والقتل وتهديد حياة أبنائهم؟

لقد حصلت الحركة الإسلامية على فرص عديدة على مدار 23 عاما، ومن هنا فالوضع التعيس الذي وصلته أم الفحم وانعدام الأمن فيها يثبتان بما لا يدع مجالا للشك أن الحركة الإسلامية قد فشلت في إدارة البلد. الحركة الإسلامية التي عملت كثيرا من أجل عودة الناس للدين ومنعت الشباب من شرب البيرة وفرضت اللباس المحتشم على النساء وقسمت المدارس بين بنين وبنات وأغلقت بيد من حديد دور العرض والسينما، ووعدت الناس بأن هذا كفيل بتحويل المدينة إلى جنة، عليها ان تعترف بأن المدينة باتت أقرب إلى جهنم منها إلى الجنة. شعار "الإسلام هو الحل" كما يبدو ليس كافيا لقديم حلول حقيقية لمعاناة الناس ورفع مستوى معيشتهم.

الهروب إلى الشعارات المتطرفة

لا شك ان المشكلة الأساسية التي تعاني منها الجماهير العربية هي غياب البديل السياسي. "الجبهة" و"التجمع" وغيرهما من الحركات القومية العلمانية بعيدة عن هموم الجماهير ولا برنامج واقعي وعملي لها لمواجهة مشاكل الفقر والبطالة. الجبهة التي كانت تفخر في الماضي بكونها حزب الكادحين تحولت في العقود الأخيرة إلى حزب الطبقة الوسطى العربية، والتجمع أساسا تشكل خدمة لهذه الشريحة المثقفة. وللتعويض عن انعزالها عن الشرائح الشعبية من المجتمع، انبرت هذه الأحزاب تطلق شعارات قومية متطرفة بلغت حد دعم حسن نصر الله لتضفي بعض الشعبية على طرحها.

بالمقابل انهمكت الحركة الإسلامية وخاصة في أم الفحم، بنصرة الأقصى ورفعت شعار "الأقصى في خطر" ونظمت المهرجانات السنوية والأعمال التطوعية، ولكنها نسيت أن تقرن هذا العمل الهام بحد ذاته بمعركة لا تقل أهمية لإنقاذ المجتمع العربي من أمراضه الاجتماعية الخطيرة وعلى رأسها آفة الفقر والبطالة وتدهور مستوى التعليم وغيرها من مظاهر تردي الأوضاع. غير ان سلامة المسجد الأقصى لا تكفل سلامة المجتمع كما وعدت الحركة الإسلامية، بل العكس هو الصحيح. إن مهمة وطنية كبرى مثل الحفاظ عن القدس والأقصى وكافة المقدسات، مرهون بأن يكون الشعب في حالة من الوعي والوحدة والتماسك الداخلي تسمح له بدخول المعركة مع المحتل.

ممارسات الحركة الإسلامية التي فرضت على نحو عنيف ومن خلال الإرهاب الفكري نمط الحياة الديني على المجتمع، وصوّرت كل من رفض هذا النمط بأنه كافر يجب نبذه من المجتمع، ساهمت في إضعاف أواصر المجتمع، وكانت النتيجة جمود البلد ومنعه من التطور العصري، وتقييد الحريات وعلى رأسها حرية المرأة وحرية الرأي الفكر والنشاط الاجتماعي.

الخاسر الأكبر الشرائح العمالية

في حين ركّزت الحركة الإسلامية جهودها على السيطرة الفكرية والتنظيمية على الشرائح الفقيرة من المجتمع، اندفعت الجبهة والتجمع وأبناء البلد إلى تمثيل النخبة المثقفة التي لم تجد لنفسها مكانا تحت سقف الإسلاميين. وكانت النتيجة خلال العقدين الأخيرين نوع من التقاسم المريح بين المعسكرين العلماني والديني، حسبه تسيطر الحركة الإسلامية على الرأي العام للوسط العربي الذي لا يزال يتبع نمط حياة دينيا أو على الأقل تقليديا، مع تمثيل بخمسة مقاعد في الكنيست، في حين حصلت الجبهة والتجمع على مقاعد كافية في الكنيست وعلى الميزانيات المقرونة بذلك. وكان التصويت في أم الفحم أكبر دلالة على هذا التقاسم، ففي حين يصوت أهل المدينة على المستوى البلدي للحركة الإسلامية (الجناح الشمالي الذي لا يترشح للانتخابات البرلمانية مبدئيا)، فإنهم على المستوى البرلماني يعطون أصواتهم لمرشح الجبهة لأنه ابن البلد.

الأغلبية العمالية من المجتمع بقيت خارج هذه اللعبة، وكانت الخاسر الأكبر فيها. وما مظاهر العنف والانفلات الاجتماعي إلا انعكاس لإحباط نسبة كبيرة من الشباب العرب من الفتات الذي ترمي به إليهم الدولة، وشكل من أشكال التمرد على المفاهيم التي تفرضها عليهم القيادات العربية الغريبة عن معاناتهم.

المحنة الحالية تشكل فترة مصيرية في حياة المجتمع العربي. يعترف الجميع أن القيادات المحلية عاجزة عن حل الأزمة وأنها فاقدة للمصداقية أصلا، مما يدفع باتجاه البحث عن أجوبة بديلة للوضع الخطير. في ظل الثورات العربية الشعبية، ومع ظهور جيل جديد من الشباب الثوار المستعدين لتقديم الغالي والنفيس من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يتم إرساء أرضية متينة لبروز أصوات جديدة تتحدى القيادات القديمة الفاشلة وتطرح تصورا سياسيا واجتماعيا تقدميا مبنيا على الحوار والإقناع ويضع مشاكل العمال والفقراء والدفاع عن حقوقهم في الصدارة.

الشعب بحاجة إلى قيادة عربية شابة جديدة تتماثل مع الربيع العربي وتجند الطاقات المحلية الهائلة من عمال ومثقفين وشباب غيورين على مصلحة بلدهم ومجتمعهم، وتعرف كيف تطرح برنامجا مفهوما للرأي العام العربي والإسرائيلي بما يسمح لأم الفحم وغيرها من البلدات العربية بالخروج من الأزمة والتقدم نحو مجتمع عصري جديد.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة