تاريخ النشر ٢٠/١١/٢٠٠٨

شؤون اسرائيلية

الانتخابات البرلمانية المبكّرة - انعكاس لأزمة القيادة

اساف اديب

إعلان زعيمة حزب كاديما عن إجراء انتخاباتٍ مبكّرة، هو انعكاس لضعف القيادة الإسرائيلية، فمن المتوقع ان تعيد الانتخابات الإسرائيلية للحكم نفس القيادات القديمة. سواء فاز نتانياهو أو ليفني، من المرجّح أن يتفق الطرفان على تشكيل حكومة وحدة، يكون الجمود السياسي احد اهم بنودها.

اعلان زعيمة حزب كديما، تسيبي ليفني، في 26/10 عن تقديم موعد الانتخابات للكنيست، كان اعترافا بفشلها في تشكيل ائتلافٍ حكوميٍ جديد، وهي اول مهمة توكل اليها بعد نجاحها في الانتخابات الداخلية بحزبها. الانتخابات التي اتفق على اجرائها في شهر شباط من العام المقبل، كان المفروض ان تتم في تشرين ثان عام 2010، اي بعد سنتين من اليوم.

شاس أفشلت ائتلاف ليفني

تعثّرت مفاوضات ليفني مع الأحزاب المرشّحة للانضمام إلى الائتلاف، خاصة بعد وصول المفاوضات مع حزب شاس إلى طريق مسدود. ويبدو ان وزيرة الخارجيّة ليفني توصلت لقناعة بان زعيم حزب شاس، إيلي يشاي، غير معني أصلاً بالتوصّل إلى أي اتفاق معها، وأنّه يعلّق آماله على التحالف مع بنيامين نتانياهو، زعيم حزب الليكود، بعد الانتخابات المقبلة.

ازاء عناد حزب شاس، كان لزعيمة كاديما خيار آخر، وهو تشكيل حكومة ضيّقة، تعتمد على 66 عضو كنيست، وتشمل كل من: حزب كاديما (29 عضو كنيست)، حزب العمل (19)، حزب المتقاعدين (7)، حزب ميرتس (5)، حزب يهدوت هتوراة (6)، إضافةً إلى عشرة أعضاء كنيست من الأحزاب العربية التي تُعتبر كتلة مؤيّدة من خارج الائتلاف. ولكنها مع هذا اختارت الانتخابات المبكرة.

حظي قرار ليفني بترحيب كبير المفاوضين الفلسطينيين، احمد قريع (ابو علاء)، الذي أجرى المفاوضات مع ليفني منذ قمّة انابوليس في أواخر عام 2007. في كلمته أمام مؤتمر "مركز بيرس للسلام" قال ابو علاء إن عدم خضوع ليفني لشروط شاس، القاضية بعدم التفاوض حول مصير القدس، يدلّ على التزامها تجاه مسألة السلام.

الميل إلى اليمين

لم يكن التزام ليفني بالسلام هو سبب فشل ائتلافها مع شاس، بل جاء قرارها على خلفية اعتقادها بان المزاج الشعبي في إسرائيل يميل اليوم نحو اليمين. ويعني هذا ان حكومة مركز-يسار (كاديما، العمل وميرتس) ستكون قصيرة الأمد، وقد تكلّفها غاليا. وتعزيزا لهذا التقدير، اشارت استطلاعات الرأي بوضوح الى أن زعيم حزب الليكود نتانياهو هو المرشح للفوز في الانتخابات القادمة.

بعد هبوط عدد أعضاء الكنيست في قائمة الليكود، في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (عام 2006) إلى 12 نائبا، ساد الاعتقاد بأنّ عهد الليكود قد ولّى، وأنّ المجتمع الإسرائيلي بات يميل للاعتدال. كما رأى بعض المراقبين في عملية الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة، التي نفّذها اريئل شارون عام 2005، دليلا على عُزلة اليمين المتطرّف وتزايد قوة المعسكر البراغماتي. كما اعتقد البعض انّ الانقسام الذي أحدثه شارون في الليكود وفوز حزب "كديما" الذي أسّسه في الانتخابات، إثباتا قاطعا على هذا الافتراض.

ولكن فشل كديما، برئاسة ايهود اولمرت، في الصمود بالحكم اكثر من عامين ونصف، يشير الى خطأ الافتراض، والى ان رثاء اليمين والليكود كان سابقا لأوانه.

الخطوة البارزة التي قامت بها حكومة أولمرت فور تسلّمها القيادة، كانت حرب لبنان الثانية. من الحرب خرجت إسرائيل مع شهية اكبر للحرب وعدوانية متزايدة للعرب والفلسطينيين. اما اولمرت نفسه فقد خرج يعرج بعد تشكيل لجنة فينوغراد التي اتهمته بسوء ادارة المعركة. ولم تكن هذه التهمة الوحيدة التي وجهت لاولمرت، بل وجهت له تهما عديدة في قضايا جنائية وفساد.

تغيير اولمرت لوزير الامن، عمير بيرتس، لم يخفف حدة النقد الجماهيري الواسع عليه، وبقي في ذهن الإسرائيليين رئيس وزراء غير ناجح في الجانب العسكري، فاسد على الصعيد الشخصي. وكانت النتيجة استقالته من منصبه وانتخاب ليفني زعيمة جديدة للحزب.

فشل اولمرت كان ايضا على صعيد المفاوضات مع الفلسطينيين. فخلال ثلاث سنوات لم تفعل حكومته شيئاً في كلّ ما يتعلّق بضرورة فك المستوطنات بالضفة الغربيّة المحتلّة، حتى تلك التي تعتبرها الحكومة مستوطنات غير شرعية. رغم تصريحاته العديدة حول ضرورة العودة لحدود 67، خاصة بعد أن أصبح زعيمًا متقاعد فعلياً، لم يبذل أولمرت جهودا حقيقية لمفاوضة الفلسطينيين ولم يحارب بؤر اليمين المتطرف التي ترعرعت في المستوطنات. كان للبعد بين الكلام والأفعال دورًا في ضرب مصداقية حزب كاديما وخطه الأكثر ليونة، ممّا أدّى إلى اندفاع الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين.

اليسار يفقد ثقله

على خلفيّة تقاعس ائتلاف كاديما–العمل، عن اتخاذ أية خطوة ملموسة نحو الاتفاق مع الفلسطينيين أو مع السوريين، من المتوقّع أن تكون الخريطة السياسية في الكنيست القادمة، أكثر يمينيّةً وأكثر عداءً للعرب. وإذا كانت الكنيست الحالية تضم 53 عضو كنيست محسوبين على الاحزاب المعتدلة، فسوف يتقلّص هذا المعسكر إلى 40 مقعدًا في الانتخابات القادمة، وربما أقل. ولا يدور الحديث عن حزب الليكود والاحزاب الدينية الاستيطانية فحسب، بل يشمل ايضا مواقف معسكر شاؤول موفاز اليمينية التي يتبناها تقريبًا نصف حزب كاديما.

ولا يساعد معسكر اليسار الأزمة العميقة التي يمر بها حزب العمل. ويذكر ان الحزب خسر في الماضي العديد من قياداته بعد انتقالهم لحزب كاديما، تماما كما فعل بعض قادة الليكود. لكن خلافًا لليكود الذي تعود إليه اليوم بعض قيادته القديمة، يواصل حزب العمل التقلّص، وهذه المرة لصالح حزب ميرتس، وخاصة لصالح مبادرة ميرتس الجديدة الهادفة الى توسيع اطارها السياسي، الامر الذي سيأتي على حساب حزب العمل.

الاقتصاد هو صاحب القرار

عودة شخصيات مثل "امراء الليكود"، بيني بيغن ودان مريدور، بعد عشر سنوات إلى حضن الليكود، بالإضافةً لبعض القيادات العسكرية أمثال عوزي ديان، بوغي يعالون وأساف حيفتس، تخلق الانطباع بأن الجميع بات يتوقع فوز نتانياهو في الانتخابات القادمة.

انتخاب نتانياهو لا يبشر بتغيير في المسار السياسي. اذ يرى زعيم الليكود انه لا فائدة من مواصلة المفاوضات مع سلطة أبو مازن، وان المطلوب محاربة حماس عسكريًا، وربما منح بعض التسهيلات الاقتصادية للفلسطينيين في الضفة الغربية، الى ان يتنازل الفلسطينيون عن حق العودة وحقوقهم الشرعية الاخرى، وبمعنى آخر، الى ان يأتي يوم القيامة.

من جهة اخرى الساحة الفلسطينية موجودة في انقسام داخلي عميق بين فتح وحماس. كما ان انعدام اي إطار عالمي أو إقليمي أو حتى إسرائيلي يمكنه ان يوفر المناخ لانسحاب حقيقي وتسوية عادلة، تجعل الجمود السياسي سيد الموقف. ومن هنا يرى البعض امكانية تشكيل حكومة وحدة بعد الانتخابات القادمة، إما برئاسة ليفني وإما برئاسة نتانياهو.

غير ان الوحدة الإسرائيلية الداخلية ضد العرب، لن تنقذ إسرائيل من أزماتها الداخلية الخطيرة خاصة تلك المتعلقة بالازمة الاقتصادية المتأثرة بالوضع العالمي. وتواجه اسرائيل خطر ركود اقتصادي عميق وزيادة ملموسة في نسبة البطالة، ولا رد حقيقي لها على هذه الازمة. وعلينا ان نأخذ بالحسبان ان المرشح نتانياهو هو صاحب الفكر الاقتصادي الذي وصل اليوم الى الهاوية. ونتانياهو متأثر بالسياسة الاقتصادية التي طبقها اليمين الأمريكي. ولكن في حين اسقط الامريكان الرئيس بوش الذي مثل هذه السياسة وانتخب الاصلاحي براك اوباما، تبقى اسرائيل مع نفس القيادات الفاشلة على الصعيد السياسي والاقتصادي ودون اي امل بالاصلاح.

إن غياب الدعم والإلهام للسياسة النيوليبرالية من جهة، وعلى خلفية تعميق الفجوات الطبقيّة والفقر من جهة أخرى، ليس من المستبعد أن تهتز الحكومة من جديد وتنهي عهدها قبل الموعد، تماما كما صار مصير الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1988.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة