كلمات للبحث

مؤتمر انابوليس


العدد ٢١٢, تشرين ثان ٢٠٠٧

شؤون فلسطينية

انابوليس: قمة إضاعة الوقت

يعقوب بن افرات

يشير عدد الدول المدعوة للمؤتمر وطريقة التحضير له، الى ان المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية هي مجرد حجة، وان الهدف الاساسي هو خلق اصطفاف اقليمي جديد هدفه الاول عزل ايران وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله وحماس.

وجّه الرئيس الامريكي، جورج بوش، الى رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، ورئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود اولمرت، دعوة لحضور مؤتمر انابوليس المزمع عقده في 27 تشرين ثان الجاري. بالمقابل بعثت وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، اربعين دعوة الى عدد كبير من الدول والمنظمات لبناء غطاء دولي وعربي واسع النطاق للقاء. الرئيس بوش اتصل شخصيا بالعاهل السعودي لحثه على ارسال وزير خارجيته، سعود الفيصل، الى القمة.
يمكن فهم هذا التحرك الحثيث على ضوء عدم تمكن اسرائيل والفلسطينيين من الوصول، او حتى الدخول في المواضيع الجوهرية، وهي الحدود والقدس ومصير اللاجئين، كما لم يتم الاتفاق على جدول زمني لإنهاء مفاوضات الوضع النهائي. فإزاء هذا الفراغ الاساسي وللتعويض عنه، تُبذل المساعي لجلب اكبر عدد ممكن من الدول الى المؤتمر. وليس الفراغ هذه المرة نابع من الرفض الاسرائيلي التقليدي لإزالة الاستيطان والانسحاب من القدس فحسب، بل ايضا من الوضع الدقيق الذي يواجهه عباس.
في مواجهة سيطرة حماس على قطاع غزة لا يبقى امام عباس سند سوى الدول العربية. حضور هذه الدول أو عدمه هو الذي سيحسم فشل القمة او نجاحها. هذا ما يفسر زيارات عباس المتلاحقة لكل من القاهرة، عمان والرياض بحثا عن الدعم العربي. وتزداد حاجة ابو مازن الى هذا الغطاء، اذ انه مُقدِم على عملية تفاوضية كل هدفها خلق الانطباع بان هناك تقدم في حين انها في الواقع لا تشمل تفاهما اساسيا بين المطلوب فلسطينيا والمعروض اسرائيليا. هذا ما يجعل كل زعيم عربي يتساءل عن جدوى حضوره قمةً لن تسفر عن نتيجة ملموسة، على ضوء رفض اسرائيل البت في القضايا الاساسية، وكل غايتها اعلان مجدد عن فتح المفاوضات بين الطرفين.
الجواب على هذا السؤال يكمن في هوية المُضيف: الرئيس الامريكي. اذ يشير عدد الدول المدعوة للمؤتمر وطريقة التحضير له، الى ان المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية هي مجرد حجة، وان الهدف الاساسي هو خلق اصطفاف اقليمي جديد هدفه الاول عزل ايران وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله وحماس.
ولكن عزل ايران الذي يعتبر هدفا مشتركا لاسرائيل، مصر، الاردن والسعودية، لا يمكن ان يتم دون اعطاء اي مقابل للعرب. اذ كيف تبرر الدول العربية حضور مؤتمر يمنح اسرائيل حق النقض على كل المواضيع الجوهرية التي تقع في قلب النزاع العربي الاسرائيلي؟ كيف تستطيع السعودية الحضور في حين تتعنت اسرائيل في رفضها للمبادرة العربية التي صاغتها السعودية، والتي تدعو للتطبيع مع اسرائيل مقابل التسوية العادلة للنزاع.
كيف تستطيع السعودية الحضور، في حين تتغيب سورية، احدى الدول الاساسية في النزاع العربي الاسرائيلي؟ هل تخاطر في التحول الى مجرد غطاء لهذا النوع من المسرحية التي تحرر اسرائيل من كل التزام تجاه العرب؟ ثم هل يكفل هذا النوع من المشاركة عزل ايران، حماس وحزب الله، ام انه سيعزز موقع هؤلاء ومعارضتهم للمؤتمر الذي بدل ان يقدم الحلول يؤدي لتكريس الاحتلال للاراضي الفلسطينية والجولان؟
هل تعيد السعودية والدول العربية ثقتها بالادارة الامريكية، بعد اخفاقاتها المتلاحقة في العراق، او تجاه الفلسطينيين باعتمادها سياسة منحازة لاسرائيل قادت لصعود حماس، او سياستها الفاشلة في باكستان التي ادت لانقسام داخلي كبير دفع السعودية للتدخل بنفسها لانقاذ الموقف؟ هل ستكون قمة انابوليس حلقة اضافية في سلسلة الاخفاقات الامريكية في المنطقة النابعة من صعوبتها في قراءة الواقع العربي وتعقيداته بالشكل الصحيح.
السعودية، وغيرها من الدول العربية، بعثت الادارة الامريكية لاعادة حساباتها، فإذا ارادت عزل ايران عليها تغيير سياستها تجاه سورية التي تشكل البوابة الرئيسة للنفوذ الايراني في المنطقة، وتحديدا لبنان. امريكا التي كانت ترفض اي تعامل مع دمشق، دخلت معها مؤخرا الى مرحلة جديدة من الاخذ ولكن دون العطاء. فهي تريدها مثلا حضور القمة بوصفها عضوا في لجنة متابعة الجامعة العربية، لا كطرف اساسي في النزاع مع اسرائيل.
وليس عزل ايران هو الذي يفرّق بين امريكا وسورية، بل ان سورية وايران كانتا اصلا حليفتين لامريكا في مهمتها الاطاحة بنظام صدام حسين. على ماذا الخلاف اذن؟ على النفوذ السوري في لبنان. وقد دخل الخلاف مرحلة حرجة بسبب ضرورة حسم انتخاب رئيس جديد للبنان. امريكا من جانبها كانت وراء قرار مجلس الامن 1559 الذي قضى بالانسحاب السوري من لبنان، وهي تدعم اليوم موقف رئيس كتلة الاكثرية في لبنان، سعد الدين الحريري، في المعركة الداخلية لاختيار رئيس جديد للجمهورية، يكون "توافقيا" ويجمع بين طرفي النزاع. ولكن كيف يمكن الجمع بين طرفين، احدهما يرفض النفوذ السوري والثاني يستقوي به؟
ويأتي مؤتمر انابوليس والسعي الامريكي الاسرائيلي لعزل ايران، ليحسّن بعض الشيء الوضع السوري. فقد تحولت دمشق الى محطة مفصلية، يراودها الجميع عن نفسها لجلبها لحضن المعسكر المعتدل. ففرنسا التي قاطعت دمشق بعد اغتيال الرئيس الاسبق، رفيق الحريري، بعثت اليها وزير خارجيتها للتوصل الى اتفاق حول الاستحقاق الرئاسي في لبنان، وجاءت معها بقائمة طويلة من المفاوضين من ايطاليا، روسيا، اسبانيا، الامم المتحدة وحتى الملك الاردني.
دمشق من جانبها سعيدة بالوضع الجديد، وتوزع ابتساماتها وغمزاتها في كل الاتجاهات، فقد وعدت بتسهيل انتخاب الرئيس اللبناني، كما منعت عقد المؤتمر المضاد لانابوليس الذي اعتزمت حماس تنظيمه، وعبّرت عن دعمها الكامل للسلطة الوطنية الفلسطينية.
ورغم بوادر حسن النية هذه، الا ان موعد انتخاب الرئيس اللبناني تأجل للمرة الثالثة، ومن جهة اخرى لا تزال العلاقة بين طهران ودمشق مستمرة رغم كل الجهود للفصل بينهما. وهناك تقديرات بان مشاركة سورية في مؤتمر انابوليس، إن تمت، فستكون من باب استغلال الموقف وليس تعبيرا عن تغيير جذري في التوجه السوري. فقد تعلمت سورية درسا من اتفاقات اوسلو التي وعدت بالكثير ولم تنفذ الا القليل، لذا فهي لا تسارع في تقديم تنازلات مجانية.
ومع ان سورية تشترط حضورها المؤتمر بان يشمل قضية الجولان، الا ان ما يعنيها هو لبنان. فليس الجولان هو العقبة الاساسية في العلاقة مع اسرائيل، بل الاعتراف بدورها الاقليمي وخاصة في لبنان. فسورية دون لبنان تصبح دولة عربية متخلفة عادية، وهو عكس ما تطمح اليه.
لقد وصل الانقسام العربي الى درجة لا تسمح للجامعة العربية بتوحيد كلمتها. سقوط العراق بأيدي الامريكان وحلفائهم من الشيعة والأكراد، سبّب شرخا كبيرا جدا وانقساما بين الدول العربية، تستغله لصالحها دول خارجية منها امريكا واسرائيل وحتى ايران. من هنا فان المنطق العقيم الذي يسعى الى جمع العالم كله وتوحيد الموقف العربي وراء قمة انابوليس، لا يمكن ان ينجح.
اذا كان اولمرت مستعد للتوصل مع عباس الى رؤية مشتركة حول الحل النهائي، تمنح الفلسطينيين حقهم، لكان بالامكان صنع المستحيل وجمع العالم العربي وراء هذا الاتفاق. ولكن الموقف الاسرائيلي الذي يرى في الحل النهائي خطرا على امن الدولة ووجودها، ويسعى لذلك الى تأجيله لاجل غير مسمى، انما يخلق شكوكا حول جدوى المؤتمر الذي لن يسفر سوى عن نشر صور الزعماء في الصحف ووسائل الاعلام.
الرئيس بوش يسعى كعادته الى ربط العربة قبل الحصان، فهو لا يملك حلا للازمة العراقية التي افتعلها، ولا للمشكلة اللبنانية التي ساهم في تصعيدها، ومع هذا قرر ان يبدأ من اصعب النزاعات واطولها، وهو النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. قمة انابوليس هي مجرد عيّنة لما آلت اليه السياسة الامريكية منذ انتخاب بوش مطلع هذا القرن. العربدة والقوة لا تزالان جوهر سياسته، وليس في وسع مؤتمر انابوليس ان يغير شيئا بل بالعكس، سيكون فرصة ضائعة اخرى تُبعد الامل في امكانية تحقيق السلام بين اسرائيل والفلسطينيين.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة