كلمات للبحث

مصر, اقتصاد, نقابات دولية

شؤون عربية

هل تعيد الطبقة العاملة الدور الرائد لمصر في العالم العربي

اساف اديب

الاضراب العمالي والمظاهرات التي اجتاحت مواقع مختلفة من مصر يوم الاحد 6/4، كانت في رأي الكثير من المعلقين، التحرك الشعبي الاهم في مصر منذ عقود. في طليعة الحركة العمالية يقف عمال مصنع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى، والذين يخوضون في السنة الاخيرة سلسلة من الاضرابات لتحسين ظروف عملهم واجورهم.

اصرار العمال على تنفيذ الاضراب فاق كل التوقعات. فقد واجهت الجماهير المنتفضة قوات الامن التي سعت من خلال تواجدها المكثف الى دب الرعب في صفوف العمال. وكان من ضحايا اليوم التاريخي شهيدان ومئات المعتقلين.

جاءت الدعوة للاضراب على خلفية ازمة الخبز وغلاء المعيشة التي يعاني منها الشعب المصري كله. وتظهر الطبقة العاملة اليوم كقوة اجتماعية فعالة ذات اجندة مستقلة، مع انها لا تزال غير مؤطرة في حركة واحدة، ولا تطرح بعد بديلا سياسيا للنظام. الطبقة العاملة تقدم بديلا ديمقراطيا عماليا جديدا لحزب السلطة التابعة لامريكا من جهة، وللحركة الاسلامية التي تجر الشعب للعزلة والتخلف من جهة اخرى.

ازمة الخبز تهز النظام

في الاشهر الاخيرة يقضي الشعب المصري ساعات في "طوابير الخبز"، لشراء 20 رغيفا، مقابل خمسة قروش للرغيف الواحد. عمال مصنع الغزل والنسيج في مدينة "المحلة الكبرى" شمالي القاهرة، موظفو الضريبة، اساتذة الجامعات، الاطباء في المستشفيات الحكومية، عمال الزراعة وغيرهم الكثيرون، لجؤوا للاضرابات والمسيرات الشعبية للتعبير عن غضبهم ازاء سياسة الحكومة التي تخدم رؤوس الاموال، وتؤدي لارتفاع غلاء المعيشة مقابل الاجور المتدنية بكل المقاييس، واحتجاجا ايضا على الفساد. ازمة الفقر التي يعانيها المواطن المصري ليس جديدة، بل مستمرة منذ عقود، وآخذة بالتأزم. موجة ارتفاع الاسعار الاخيرة المتأثرة بالازمة الاقتصادية الامريكية والعالمية، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، ولم تعد هناك طاقة على الاحتمال.

اكثر من معلق ربط بين الوضع الحالي في مصر، وبين انتفاضة الخبز في عام 1977، عندما أعلن الرئيس الراحل، انور السادات، عن الغاء الدعم الحكومي للخبز. عشرات المقالات الصادرة في مصر، والمنشورة على الانترنت، تنذر بعودة انتفاضة 1977 على ضوء ازمة الخبز الحالية.

رغم المقارنة بين ما حدث عام 1977 واليوم، الا اننا نتحدث عن مرحلتين تاريخيتين فارق كبير بينهما. في عام 1977 كان الرئيس السادات لا يزال مستفيدا من انجازات حرب اكتوبر ضد اسرائيل عام 1973، والتي منحته هيبة كقائد عسكري قومي. وقد اضيف هذا الوسام الى حقيقة كونه من قيادات ثورة الضباط الاحرار التي قادها جمال عبد الناصر عام 1952. حتى بعد توقيعه معاهدة السلام مع اسرائيل (1979) وانتقاله للمعسكر الامريكي، وانعزال مصر بسبب ذلك عن العالم العربي، الا ان السادات استفاد حينذاك من ثمار الهيبة الامريكية المتزايدة في الثمانينات، بفضل ثورة التكنولوجيا المتطورة التي سمحت لها باحراز انتصارها على المنظومة الاشتراكية.

اما اليوم فنشهد مرحلة تاريخية مختلفة نوعيا. الولايات المتحدة تواجه ازمة اقتصادية حادة وخطيرة، تأتي على خلفية تزعزع هيبتها العالمية وتراجع ثقة الشعوب بها لما سببته سياستها الخارجية والاقتصادية من مآس اجتماعية واقتصادية، انتشار الفقر، زعزعة الاستقرار السياسي والامني وضرب المصالح الاساسية للعمال باسم العولمة الرأسمالية.

الى هذا الوضع نضيف حقيقة ان الشعب لا يثق بالنظام المصري وبالحزب الوطني الحاكم برئاسة محمد حسني مبارك. الحكومة متهمة تباعا بالفساد وقمع الحريات والتسبب من خلال ذلك بالامعان في تأزيم الوضع. هذا ما يفسر عدم تصديق الرأي العام لادعاءات الحكومة بان ازمة الخبز جاءت نتيجة لارتفاع اسعار القمح في الاسواق العالمية، وهو ما يجعل العمال يرون في المظاهرات الشعبية والاضرابات العمالية الوسيلة الوحيدة للتعبير عن استيائهم من الوضع.

وما دل على مدى ضعف النظام وفقدانه المصداقية في نظر الشعب، هو التعليمات التي اصدرها الحزب الوطني الحاكم، برئاسة حسني مبارك، لموظفي الحكومة في دوائر تسجيل المرشحين للانتخابات المحلية في 8 نيسان، بشطب مرشحي الاحزاب المعارضة ليضمن فوز حزبه هو. وكانت ذروة عملية التزوير عندما رفضت لجنة الانتخابات قبول مرشحين مستقلين محسوبين على الاخوان المسلمين.

اجندة اجتماعية جديدة

يذكر انه طالما كان نظام مبارك قادرا على توفير نوع من الاستقرار الاقتصادي بواسطة نسبة النمو العالية التي اتت مع الاستثمارات الاجنبية، كانت الطبقة العاملة وجماهير الشعب محيّدة، واقتصر الصراع على نمط السلطة السياسية بين انصار امريكا وبين انصار الاخوان المسلمين، المعارضة السياسية الاقوى حاليا. ولكن الازمة الاقتصادية العالمية تجعل الحاجات الاساسية للشعب مهددة، الامر الذي يمكن ان يخلط الاوراق في الساحة المصرية.

النضالات العمالية المختلفة تشير الى ظهور اجندة اجتماعية جديدة، بعيد عن مؤسسات السلطة وعن موقف الاخوان المسلمين في آن. احدى الصحف المصرية اشارت في ايلول 2007 الى قيام عمال المحلة الكبرى ابان اضرابهم ذلك الشهر بطرد رئيس النقابة الموالي للنظام، بعد اتهامه بالتواطؤ مع الادارة على سلب حقوقهم. كما "رفض العمال المضربون استقبال المهندس سعد الحسيني عضو مجلس الشعب عن جماعة الاخوان المسلمين، وذلك لعدم تحركه بشكل جدي منذ انتفاضتهم الاولى في ديسمبر الماضي (كانون اول 2006)، اضافة الى موقف جماعة الاخوان المسلمين في اللجنة التنسيقية للاحزاب والقوى السياسية بالمحلة الرافض للتضامن مع العمال".

مقال للبي.بي.سي. نقل صورة شبيهة في صفوف الاطباء الحكوميين الذين يعيشون تحت خط الفقر اذ يتقاضون اجرا شهريا مهينا قيمته 230 جنيها، او ما يعادل دولارين في اليوم. قيادة النقابة التي يسيطر عليها انصار الاخوان المسلمين منذ 15 عاما، قررت الغاء الاضراب الذي تعين اعلانه في 15 آذار، غير ان لجنة عمالية بديلة باسم "اطباء بلا حقوق" خرجت ضد قرار الادارة ونفذت الاضراب. تجمع اللجنة البديلة في صفوفها عناصر شابة معارضة، وبرزت في رئاسة الاطار الجديد الطبيبة القبطية الاصل منى مينا والتي اصبحت رمزا للموقف النضالي الجديد.

تقرير للكاتب الامريكي جوئل بينين الذي يرأس اليوم دائرة الدراسات الشرق اوسطية في الجامعة الامريكية بالقاهرة، يشير الى الدور القيادي البارز الذي يلعبه عمال مصنع النسيج في المحلة الكبرى. فقد شكل هؤلاء لجنة عمالية مستقلة، وبدؤوا باجراء اتصالات مع قطاعات عمالية اخرى لبناء اطار نقابي تقدمي، خارج نطاق النقابات الرسمية الخاضعة تماما لاملاءات النظام.

موقف الحياد الذي اتخذه الاخوان المسلمون تجاه التحرك الجديد يكشف عجزهم عن تقديم حلول اقتصادية للازمة الحالية. وليس هذا فحسب، بل ليست للحركات الاسلامية مشكلة مبدئية مع النظام الرأسمالي الذي يسبب الازمات والفقر، بل تتعايش معه كما هو الحال في دول اسلامية مختلفة. افلاس النظام السياسي المصري يبقى لذلك دون رد حقيقي من جانب الاخوان، مما يؤكد حالة الفراغ السياسي ويبرز الدور الهام الذي من الممكن ان تلعبه الطبقة العاملة في صياغة البديل الديمقراطي العمالي الجديد. نضالات الشرائح العمالية والمهنية المختلفة، تعيد للاذهان الطاقات الكامنة في الطبقة العاملة المصرية وتطرح على بساط البحث اجندة اجتماعية تقدمية.

الحركات العمالية الجديدة لم تتبلور بعد الى تيار نقابي وسياسي موحد، لكنها تشير الى طرح اجندة اجتماعية جديدة، ولذلك يجب ادراك اهميتها الكبرى ليس فقط على نطاق مصر العالم العربي بأسره. مصر التي كانت الرائدة في قيادة الحركة القومية العربية ابان حكم عبد الناصر، وكانت منبعا لحركة الاخوان المسلمين ايضا التي عمت الشرق والغرب، اصبحت في السنوات الاخيرة رمزا للتراجع وفقدت مكانتها الاقليمية. حركة العمال الجديدة تحمل في طياتها القدرة على بناء البديل للخروج من الطريق المسدود الذي وصلتيه الشعوب العربية ازاء الصراع العبثي بين اتباع امريكا واتباع الحركات الاسلامية.

لمزيد من المقالات حول حركة العمال الجديدة في مصر اقرؤوا المواقع التالية:
عمال المحلة http://indaily.net/?p=4519